محمد سعيد رمضان البوطي

65

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

سابق . ولا شك أن هذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير إلى أن تتكون في نفسه - بطريقة الكشف التدريجي المستمر - عقيدة يؤمن بالدعوة إليها ! . . ثم إن شيئا من حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي أو التأملات العلوية ، لا يستدعي الخوف والرعب وامتقاع اللون . وليس ثمة أي انسجام بين التدرج في التفكير والتأمل من ناحية ، ومفاجأة الخوف والرعب من ناحية أخرى . وإلا لاقتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين نهبا لدفعات من الرعب والخوف المفاجئة المتلاحقة . وأنت خبير أن الخوف والرعب ورجفان الجسم وتغير اللون - كل ذلك من الانفعالات القسرية التي لا سبيل إلى اصطناعها والتمثيل بها - حتى لو فرضنا إمكان صدور المخادعة والتمثيل منه عليه الصلاة والسلام ، وفرضنا المستحيل من انقلاب طباعه المعروفة قبل البعثة إلى عكس ذلك . ويتجلى مزيد من صورة المفاجأة المخيفة لديه صلّى اللّه عليه وسلم ، في توهمه بأن هذا الذي رآه وغطّه وكلّمه في الغار قد يكون أتيّا من الجن ، إذ قال لخديجة بعد أن أخبرها الخبر : « لقد خشيت على نفسي » أي من الجانّ . ولكنها طمأنته بأنه ليس ممن يطولهم أذى الشياطين والجان لما فيه من الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة . وقد كان اللّه عزّ وجلّ قادرا أن يربط على قلب رسوله ويطمئن نفسه بأن هذا الذي كلّمه ليس إلا جبريل : ملك من ملائكة اللّه جاء ليخبره أنه رسول اللّه إلى الناس ، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت إظهار الانفصال التام بين شخصية محمد صلّى اللّه عليه وسلم قبل البعثة وشخصيته بعدها ، وبيان أن شيئا من أركان العقيدة الإسلامية أو التشريع الإسلامي لم يطبخ في ذهن الرسول عليه الصلاة والسلام سابقا ولم يتصور الدعوة إليه سلفا . ثم إن فيما ألهم اللّه خديجة من الذهاب به عليه الصلاة والسلام إلى ورقة بن نوفل ، وعرض الأمر عليه تأكيدا من جانب آخر بأن هذا الذي فوجئ به عليه الصلاة والسلام إنما هو الوحي الإلهي الذي كان قد أنزل على الأنبياء من قبله ، وإزالة لغاشية اللبس التي كانت تحوم حول نفسه بالخوف والتصورات المختلفة عن تفسير ما رآه وسمعه . أما انقطاع الوحي بعد ذلك ، وتلبّثه ستة أشهر أو أكثر ، على الخلاف المعروف فيه ، فينطوي على مثل المعجزة الإلهية الرائعة . إذ في ذلك أبلغ الرّد على ما يفسر به محترفو الغزو الفكري الوحي النّبوي من أنه الإشراق النفسي المنبعث لديه من طول التأمل والتكرار ، وأنه أمر داخلي منبعث من ذاته نفسها . لقد قضت الحكمة الإلهية أن يحتجب عنه الملك الذي رآه لأول مرة في غار حراء ، مدة طويلة ، وأن يستبدّ به القلق من أجل ذلك ، ثم يتحول القلق لديه إلى خوف في نفسه من أن